السيد عباس علي الموسوي

18

شرح نهج البلاغة

من الفجائع والأهوال أعظم مما كان يوصف لهم ويخافون منه فليس من راء كمن سمع . . . وإنهم كانوا يقدّرون عذابها وثوابها وعقابها وأجرها بمستوى عقولهم وما وصلهم من أنبائها ولكن بعد الوقوف عليها أدركوا من آثارها وحقائقها أعظم مما كانوا يقدّرون ويحسبون . فكلتا الغايتين غاية السعيد وغاية الشقي التي وفرها الموت لهما قد أنزلتهما إلى دار وأرجعتهما إلى قرار فوق مبلغ ما يبلغه الخائف الراجي ، فقد رأوا من أهوالها ومصائبها وعذابها وشدائدها وكذلك من نعيمها وخيرها فوق ما يبلغه الخائف الراجي . ثم أشار إلى أنهم لو كانوا ينطقون كما ننطق لعجزوا أو حصروا عن الكلام ووصف ما رأوا وما شاهدوا وأبصروا إنها دار يعجز اللسان عن وصفها ووصف ما فيها من ثواب وعقاب وأجر وعذاب . . . ( ولئن عميت آثارهم وانقطعت أخبارهم لقد رجعت فيهم أبصار العبر وسمعت عنه آذان العقول وتكلموا من غير جهات النطق فقالوا ) لئن لم يستطع الأحياء قراءة ما في تلك القبور وما يجري على أربابها وأهلها ولم يعرفوا أخبارهم وما جرى لهم وعليهم وكيف تمر عليهم الأيام والساعات لئن عجز الأحياء عن اكتشاف حال الأموات عن طريق الحس والخبر فإن العقول المفكرة والبصائر الواعية هي التي تخبر عن أحوالهم وتحكي مصيرهم وتقرأ ما يجري لهم في تلك المواطن الرهيبة المخوفة تقرأها من لسان الحال دون المقال . . . من واقع ما يعيشون وما هم فيه ومنطق الحال أبلغ من منطق المقال ثم بيّن كلامهم وأفصح عن لسانهم بهذه الصفات الحاكية لواقعهم الشارحة لتعاستهم . ( - كلحت الوجوه النواضر ) لقد تغيرت الوجوه الحسنة المملؤة التي تظهر عليها النضارة تغيّرت إلى صورة مفزعة مخوفة إنها كشرت وعبست لعبث التراب بها . . . ( - وخوت الأجسام النواعم ) سقطت تلك الأجسام الناعمة البضة التي كانت يؤذيها الحرير بنعومته ، أصبحت جافة من دمها ورطوبتها فهي رهينة القبور . ( - ولبسنا أهدام البلى ) إما أن يريد أنهم لبسوا الأكفان التي ستبلى وتفنى أو أنه استعار لفظ الأهدام للتغير والتبدل والفناء العارض لجسم الميت . . . ( وتكاءدنا ضيق المضجع ) أي شق علينا وعذبنا ضيق القبور وما نظر عاقل إلى القبر وضيقه إلا وشق عليه ذلك وآلمه المقام فيه واستعاذ باللهّ من تلك الساعات التي يكون